أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
106
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
وترك لي طفلة رضيعةً - هي بنت الهدى - مع فتىً في الثالثة ، مع أخٍ لهما في بدايات شبابه - هو السيّد إسماعيل - ولكن قبل ذلك ، ترك فلذات لكبدي وكبده توزّعت رموسهم بين قبور الموتى . توفّي في مدينة الكاظميّة ، في ليلة مدلهمّة من ليالي البؤس والفقر الذي كنّا نصالِيه في تستّر مطبق . . مع أنّه كان مرجعاً للتقليد من كبار المراجع ، غير أنّ العفّة والنزاهة لم تسمحا له بالاستفادة من موقعه لأخذ أكثر ممّا كان يراه فوق حقّه ، حتّى لقد بتنا في الليلة التي أعقبت وفاته بدون طعام عشاء للأطفال ، إذ أنّه كان يتصرّف في أيّ مبلغ حقّ شرعي يصله في نفس يومه ، بعد أن يأخذ منه لنفسه ما يتبلّغ به وعائلته . . ويبقى اليوم الآخر رهناً بما قد يصله . وهكذا قضينا ليلتنا تلك ، يقضّ الحزن مضجعنا ، وينهش الجوع مطاوينا ، لخلوِّ الدار ممّا قد نقتات به . وبقي الحال على هذا العسر والضيق شهراً كاملًا بعد وفاته ، إلى أن تطوّع المرحوم الشيخ عبد الحسن البلداوي ، الذي كان من أعوان وأيادي المرحوم السيّد حيدر ، فبذل وقته وجهده لرعاية العائلة ؛ فاحتوى فتاها الكبير السيّد إسماعيل ، وتعهّد الطفلين : محمّد باقر وأخته الرضيعة آمنة . ولذلك تعلّقا به ، وكانا يعتبرانه عمّاً للأسرة ، ولم يعرفا ظلًّا لرجلٍ حانٍ بعد أبيهما غيره . هذا بالطبع مع متابعة الأخوال والأهل والإخوان ، إلّا أنّ الشيخ عبد الحسن كرّس نفسه لتلك المهمّة الخيِّرة » « 1 » . علاقة السيّد الصدر بأمّه بعد فقده أباه نتيجة فقد السيّد الصدر والده وتحمّل أخيه السيّد إسماعيل الصدر ووالدته الحاجّة بتول مسؤوليّة رعايته ، فقد كان طبيعيّاً أن تشتدّ علاقته بهما ، ولذا فقد كان يخصّص لوالدته جزءاً من وقته في كلّ يوم يجلس إلى جانبها ويلاطفها « 2 » ، وكانت تحدّثه عن والده وتحاول أن تغرس في نفسه أن يكون مثله ، وكانت في ذلك الوقت تقرأ كتب التاريخ وتعدّ من المثقّفات « 3 » ، وكانت - حتّى بعدما كبر - تنتظر رجوعه إلى الدار ، فإذا تأخّر انتظرته عند الباب وفتحت له فور وصوله « 4 » . لمحات حول بنت الهدى جاء في بعض المذكّرات حول السيّدة بنت الهدى « 5 » : « أرسلتها والدتها في الكاظميّة في سن السادسة إلى الملّا ( امرأة تعلّم القرآن للفتيات في سنّها ) . وفي أوّل يوم دخلت آمنة بيت تلك الملّا ، وقع نظرها على التنّور مسجوراً ، وقد ارتفع لهيب ناره وحسيسها بشكل أفزعها . ففرّت عائدة أدراجها إلى أمّها ، نافرةً من بيت هذه الملّا ، ومن كلّ ملّا من ورائها . وقد بقيت في البيت تتلقّى تعليمها على يد أخويها : السيّد إسماعيل ، ثمّ من بعده السيّد الصدر . ولم تتلقَ تعليماً ولا تثقيفاً من أحد غيرهما إلى أن كبرت ونضجت ، وصارت هي تفتح حلقات التعليم والتربية لبنات المؤمنين . وعندما كانت في الحادية عشرة من عمرها ، أبدعت مجلّة ثقافيّة صغيرة الحجم ، متنوّعة في مواضيعها ،
--> ( 1 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 129 - 131 ( 2 ) ما بعد الفارزة الأخيرة مستفادٌ من : مقابلة ( 1 ) مع الشيخ محمّد رضا النعماني - ( 3 ) مقابلة ( 3 ) مع الشيخ علي كوراني - ( 4 ) مقابلة مع الشيخ [ علي ] آل إسحاق - ؛ انظر بعض الكلام حول الموضوع ضمن الفصل الرابع حول ( جوانب من شخصيّة السيّد الصدر ) ( 5 ) هي مذكّرات ملفّقة بين السيّدة أم جعفر الصدر والسيّدة أم أحمد الشاهرودي زوجة السيّد عبد الهادي الشاهرودي .